بن عيسى باطاهر

128

المقابلة في القرآن الكريم

الجنّة نسيم ، ومن ثم باتوا يعرفون هذا العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود » « 1 » . وهذا الذي يشير إليه سيد قطب من أنّ طريقة التصوير من أبرز طرق العرض لمشاهد القيامة ، فقد عرضت بهذه الطريقة حيّة منتزعة من عالم الأحياء ، وإنها حاضرة اليوم تراها العين ، وتحسّها النفس ، والأمثلة على ذلك كثيرة في كتاب « مشاهد القيامة في القرآن » ، ونضيف إلى ذلك أن طريقة التصوير ليست هي الطريقة الوحيدة في عرض مشاهد الجزاء الأخروي بل هناك طريقة التقابل حين يعرض الشيء وما يقابله ، فيعرض النعيم وما يقابله من عذاب ، وتعرض مشاهد الجنة وما يقابلها من مشاهد النار ، وتعرض النماذج البشرية المتقابلة ، كل فريق له صفات ووجهة متوجه إليها ، وهذه الطريقة حاسمة في أداء المعاني ، وعرض الأغراض . ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ آل عمران : 106 - 107 ] ، ففي هذا المشهد نرى منظرا متقابلا ، نرى وجوها مسودّة ووجوها مبيضّة ، ولا بد أننا نعرف الآن لمن الوجوه المسودة ولمن الوجوه المبيضة ، وهو مشهد حسي ، ولكنّه منبعث عن تأثر نفسي ألقى ظلّه على الوجوه فابيضّت ، وعلى تلك الوجوه فاسودّت « 2 » ، وطريقة المقابلة حاسمة في عرض الصورتين المختلفتين لأهل الجنّة وأهل النار ، وفي ذلك تمييز واضح بين الفريقين ، ويجازي اللّه كل فريق بما يستحق من جزاء أو عقاب .

--> ( 1 ) نفسه ص 38 . ( 2 ) سيد قطب - مشاهد القيامة في القرآن - ص 204 .